إخوان الصفاء
192
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء
من القاذورات باطنه ، إن مات نتن ، وإن لم يدفن افتضح ، وإن عاش فهو في العذاب والشقاء . أترى أن الفاعل لهذه الأفعال المحكمة ، والصائع المتفنّنة التي تظهر على أيدي البشر ، هو هذا الجسد وحده ، والناطق بهذه اللغات المتباينة والمتكلم بهذه الأقاويل المختلفة والمخبر عن الأمور المنقضية مع الأزمان الماضية ، والعالم بالأشياء الموجودة في الأماكن الغائبة ، والمنبئ عن الحوادث الكائنة في الأزمان المستقبلة ، والمستنبط غرائب العلوم من خواصّ جواهر العدد وأشكال الهندسة ، وتأليف اللحون ، وتشريح الأجساد ، وتركيب الأفلاك ، وحساب حركات الكواكب ، وصفات البروج ، وطبائع الأركان ، واختلاف جواهر المعادن ، ومنافع النبات ، واختلاف الحيوان ، هل هو هذا الجسد وحده . أو تنسب هذه العلوم والأقاويل والفضائل إلى مزاج الجسد - كما زعم من لا خبرة له بحقائق الموجودات - وكيف تظهر هذه من مزاج الجسد والمزاج عرض من الأعراض ، وهو أحد هذه الأشياء التي ذكرناها ؟ فقد بعد من الصواب من قال هذا القول ، وعمي عن معرفة حقائق الأشياء من اعتقد هذا الرأي ، وأول غفلة دخلت عليه جهالته بجوهر نفسه ، وتركه طلب معرفة ذاته ، وأعظم بليّة مع هذا أنه يدعي الرئاسة في العلوم ، ومعرفة حقائق الأشياء ، وصواب أقاويل أهل الأديان ، ومعرفة صفات الباري ، جلّ ثناؤه ، الذي هو أشرف المعارف وأدق العلوم ، وألطف الأسرار ، وهو بجهل مع هذا كله ذاته ، ولا يعرف حقيقة نفسه ، فكيف يوثق برأيه ، وكيف يصدّق قوله فيما يدعيه من العلوم ويخبر عن الأمور الغائبة عن حواسّه وعقله ؟ وإن كنت مقرّا ، أيها الأخ البار الرّحيم ، بأن مع هذا الجسد جوهرا آخر هو أشرف منه ، وأن هذه الأفعال والأقاويل والعلوم والفضائل إليه تنسب ، ومنه تبدو ، وهو المظهر من هذا الجسد هذه الأشياء ، فقد قلت